الشيخ محمد هادي معرفة
189
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
للنيل من قداسة مقامه الكريم . لقد قام المستشرقون وقعدوا وصاحوا صيحاتهم قصدا إلى تشويه سمعة صاحب الرسالة ليصوّروه رجل شهوة منهمكا في غرامه للنساء انهماك الملوك المترفين . وقد حاكوا أقاصيص حول تزوّج النبيّ بعدّة زوجات ، بعد تجاوزه العقد الخامس من عمره الكريم ، السنّ التي تفتر بعدها رغبة الرجال في النساء ، وجعل يكرّرها ويردّدها أمثال « موْيِرْ » و « إرْفِنْجْ » و « سْبِرِنَجَز » و « فَيْلْ » و « دِرْمِنْجِمْ » و « لَامَنْسْ » « 1 » وغيرهم ممّن تناولوا كتابة حياة محمّد صلى الله عليه وآله لكنّها شهوة التبشير المكشوف تارةً ، والتبشير باسم العلم أخرى . والخصومة القديمة للإسلام خصومة تأصّلت في النفوس منذ الحروب الصليبيّة التي تُملى على هؤلاء جميعا مايكتبون ويسطّرون ، وتجعلهم في أمر زواج النبيّ صلى الله عليه وآله فيمن تزوّج ، يتجنّون على التاريخ ويحاولون قلب الحقيقة من واقعها الناصع النزيه إلى ظاهرة مشوّهة كريهة . أمّا الحقيقة فهي تشهد بوضوح أنّ محمدا صلى الله عليه وآله لم يكن رجلًا يأخذ بعقله الهوى ، وهو لم يتزوّج من تزوّج من نسائه بدافعٍ من شهوةٍ فائضة أو غرامٍ عارم . وإذا كان بعض الكتّاب المسلمين في بعض العصور قد أباحوا لأنفسهم أن يقولوا هذا القول وأن يقدّموا لخصوم الإسلام - عن حسن نيّة - هذه الحجّة فذلك لأنّهم انحدر بهم التقليد إلى المادّية ، فأرادوا أن يصوّروا محمّدا عظيما في كلّ شيء ، عظيما حتّى في شهوات الدنيا . وهذا تصوّر خاطئ ينكره تاريخ حياته الكريمة أشدّ إنكار ، وتأبى مشيته النزيهة - التي عاشها في ذلك الجوّ الحالك - أن تقرّه وتشهد به . فهو قد تزوّج من خديجة - وهي أكبر منه بسنين - وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وهو في شرخ الصِبا وريعان الفتوَّة ووسامة الطلعة وجمال القَسمات وكمال الرجولية . مع ذلك ظلّت خديجة وحدها زوجه ثمانيا وعشرين عاما حتّى تخطّى الخمسين . هذا على حين كان تعدّد الزوجات أمرا شائعا بين العرب ذلك الحين ، وعلى
--> ( 1 ) - راجع : حياة لمحمّد حسين هيكل : ص 293 .